السبت، 25 فبراير، 2012

التربية و شخصية المسلم المعاصر


التربية وتنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر

        يكاد يجمع أهل التخصص بعلوم التربية والاجتماع الإنساني على أنّ عجز الأمم عن استثمار مواردها البشريّة، ومقدّراتها الماليّة الاقتصادية إنّما يكمن في القصور الكائن في أجهزة التّفكير والإرادة التي تتجسد في ثقافة الأفراد وعلاقة الجماعات المكونة للأمّة نفسها. وهو مؤشر خطير لفشل  في نظم التربية التي تمدّ إنسان الأمّة بالقيم والاتجاهات، وتزوّده بالمعلومات والخبرات وتنمي فيه القدرات والمهارات.
        والسبب أن حلقات السلوك الإنساني- ومنه الحضاري- تبدأ بالنّفوس: أي بحلقة الفكرة، ثم حلقة الإرادة، ثم تبرز منها الحلقة الثالثة حلقة الممارسة والإنجاز المحسوس. فإذا أصاب العطب الحلقة الأولى امتدت آثار الخلل إلى الحلقتين التاليتين، وأفرزت مضاعفاتها في البطالة والعطالة والعجز والتخلّف؛ لذلك كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع )


        والأمم الواعية حين تحسّ بأزمة معينة أو نقص في الفاعليّة والإنجاز، فإن أوّل شيء تفعله هو قيام الخبراء فيها بتشخيص القيم الثقافيّة السائدة والنّظام التّربوي القائم. وهذا ما فعلته بريطانيا حين رأت التفوق الألماني خلال الحرب العالميّة الثانية. ففي الوقت الذي كانت أنظمتها الدفاعيّة تتصدى للغارات الألمانيّة في أجوائها وبحارها، كان المربون البريطانيّون يجتمعون ويشخّصون النّظام التّربوي والثقافة الاجتماعيّة في مخابئها وملاجئها.
        ومثله ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكيّة حين رأت الاتحاد السوفيتي يسبقها في النزول على سطح القمر، وهو ما تفعله في الوقت الحاضر وهي ترى التفوق الياباني في الميادين الصناعيّة والتجارة العالميّة.
        ويذكر – ياسوماسا تومودا- الأستاذ في جامعة أوساكا اليابانيّة أنّ أوّل ما فعلته اليابان إثر هزيمتها في الحرب العالمية الثانية هو مراجعة القيم التقليديّة التي كانت تؤكد على الطاعة العموديّة في المجتمع: أي طاعة الصغار للكبار، وطاعة الأتباع للقادة؛ الأمر الذي أدّى إلى مراجعة نظام التربية اليابانيّة، خاصة التربية الأخلاقيّة السياسيّة – شوشين Shushin- وإعطاء العناية اللازمة لقيم الديمقراطيّة والحريّة وعلاقة الحاكم بالمحكوم، والوقوف على موروثات التّقاليد والقيم السائدة موقف الناقد العالم، لا التابع المنفعل، والتأكيد على القيادة الجماعية والعمل الجماعي، وتوسيع مفهوم الأخلاق ليشمل ميادين السياسة والإدارة والثقافة والعلم.
        والخلاصة أن كلّ بلد نجح في الخروج من أزماته ومجابهة تحدياته بدأ بفحص النظم التربويّة السائدة. وما نجح حزب أو جماعة أو منظمة في برامجها إلا بعد اعتماد مبدأ المراجعة والتقييم الدوري لمبادئها وأفكارها. وما جمد مذهب أو جماعة أو حزب إلا بعد إسباغ العصمة على أفكاره وبرامجه .

معنى الفاعلية وأهميتها
        الفاعلية تعني بلوغ أعلى درجات الإنجاز وتحقيق أفضل النتائج . ويوصف القادة بالفاعلية عندما تكون المخرجات أكثر وأحسن من المدخلات. وتقويم هذه الفاعلية يفيد في ثلاثة جوانب :
1- تقديم تغذية راجعة تقدر ما تم انجازه.
2- تقديم القواعد واقتراح الشروط اللازمة لتحديد درجة التفعيل.
3- إمداد القيادات بالمعلومات المتعلقة بالخطط المستقبلية.
        والفاعلية مصطلح فضفاض تختلف باختلاف الموضوعات والتخصصات. وقد عبر القرآن الكريم عن المدخلات بقوله تعالى {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ } (62) سورة المؤمنون.
        وعبّر كذلك عن المخرجات بالعاقبة . وحين تبلغ الفاعلية أقصى درجاتها يطلق القرآن على أصحابها ( المفلحين ). والمفلح هو الذي يظفر بالمطلوب.
        ويضع القرآن الكريم لنسبة ( المخرجات ) المتوقعة من الأمة المسلمة حدّين 

 الأول: حد أعلى يتحقق إذا أحسنت الأمة استثمار المدخلات.
 الثاني : حد أدنى إذا كان هناك ضعف في الخبرات والمهارات اللازمة لاستثمار المدخلات.
        وتتحقق الفاعلية في الأمة خلال الإنجازات التي تلبي الحاجات وتواجه التحديات في الداخل، والعطاء الحضاري الذي تقدمه الأمة للأمم في الخارج.
        ولقد اهتمت الأمم الحديثة المتقدمة بتحقيق الفاعلية الإنتاجية في خططها التنموية واستراتيجياتها المستقبلية، وأقامت لها مؤسسات البحث والتدريب. كاليابان والولايات المتحدة الأمريكية.
        فحين بدا التفوق الياباني في الميادين المتنوعة تداعت الجامعات والمؤسسات الأوروبية والأمريكية لدراسة الفاعلية اليابانية . حيث أشارت الأبحاث التي أصدرتها الدراسات المذكورة إلى أن اليابان تمتلك نظاماً تربوياً يسهم بشكل رئيسي فاعلية نمو اليابان الاقتصادي  وفي تطورها وتقدمها الاجتماعي.

 وللحديث بقية ان كان فى العمر بقية - بإذن الله تعالى




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق